فخر الدين الرازي

315

تفسير الرازي

الظلمات إلى النور ، أو الإسلام هو النور ، أو يقال : الدين وضع إلهي سائق لأولي الألباب إلى الخيرات باختيارهم المحمود وذلك هو النور ، والكتاب هو المبين قال تعالى : * ( تلك آيات الكتاب المبين ) * ( الشعراء : 2 ) فالإبانة والكتاب هو النور ، أو يقال : الكتاب حجة لكونه معجزاً ، والحجة هو النور ، فالكتاب كذلك ، أو يقال في الرسول : إنه النور ، وإلا لما وصف بصفة كونه رحمة للعالمين ، إذ الرحمة بإظهار ما يكون من الأسرار وذلك بالنور ، أو نقول : إنه هو النور ، لأنه بواسطته اهتدى الخلق ، أو هو النور لكونه مبيناً للناس ما نزل إليهم ، والمبين هو النور ، ثم الفوائد في كونه نوراً وجوه منها : أنه يدل على علو شأنه وعظمة برهانه ، وذلك لوجهين أحدهما : الوصف بالنور وثانيهما : الإضافة إلى الحضرة ، ومنها : أنه إذا كان نوراً من أنوار الله تعالى كان مشرقاً في جميع أقطار العالم ، لأنه لا يكون مخصوصاً ببعض الجوانب ، فكان رسولاً إلى جميع الخلائق ، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم : " بعثت إلى الأحمر والأسود " فلا يوجد شخص من الجن والإنس إلا ويكون من أمته إن كان مؤمناً فهو من أمة المتابعة ، وإن كان كافراً فهو من أمة الدعوة . وقوله تعالى : * ( ولو كره الكافرون ) * أي اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين ، وقوله : * ( بالهدى ) * لمن اتبعه * ( ودين الحق ) * قيل : الحق هو الله تعالى ، أي دين الله : وقيل : نعت للدين ، أي والدين هو الحق ، وقيل : الذي يحق أن يتبعه كل أحد و * ( يظهره على الدين كله ) * يريد الإسلام ، وقيل : ليظهره ، أي الرسول صلى الله عليه وسلم بالغلبة وذلك بالحجة ، وههنا مباحث : الأول : * ( والله متم نوره ) * والتمام لا يكون إلا عند النقصان ، فكيف نقصان هذا النور ؟ فنقول إتمامه بحسب النقصان في الأثر ، وهو الظهور في سائر البلاد من المشارق إلى المغارب ، إذ الظهور لا يظهر إلا بالإظهار وهو الإتمام ، يؤيده قوله تعالى : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * ( المائدة : 3 ) وعن أبي هريرة : أن ذلك عند نزول عيسى من السماء ، قال مجاهد . الثاني : قال ههنا : * ( متم نوره ) * ( النور : 35 ) وقال في موضع آخر : * ( مثل نوره ) * وهذا عين ذلك أو غيره ؟ نقول : هو غيره ، لأن نور الله في ذلك الموضع هو الله تعالى عند أهل التحقيق ، وهنا هو الدين أو الكتاب أو الرسول . الثالث : قال في الآية المتقدمة : * ( ولو كره الكافرون ) * وقال في المتأخرة : * ( ولو كره المشركون ) * فما الحكمة فيه ؟ فنقول : إنهم أنكروا الرسول ، وما أنزل إليه وهو الكتاب ، وذلك من نعم الله ، والكافرون كلهم في كفران النعم ، فلهذا قال : * ( ولو كره الكافرون ) * ولأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك ، والمراد من الكافرين ههنا اليهود والنصارى والمشركون ، وهنا ذكر النور وإطفاءه ، واللائق به الكفر لأنه الستر والتغطية ، لأن من يحاول الإطفاء إنما يريد الزوال ، وفي الآية الثانية ذكر الرسول والإرسال ودين الحق ، وذلك منزلة عظيمة للرسول عليه السلام ، وهي اعتراض على الله تعالى كما قال :